الشيخ عبد المجيد الخاني النقشبندي

776

الكواكب الدرية على الحدائق الوردية في أجلاء السادة النقشبندية

وما زال الحق تعالى يخلق الموجودات من الحقيقة المحمدية ، علوية وسفلية ، لطيفة وكثيفة ، بسيطة ومركبة ، وكلما خلق صورة قبضها إلى صورتها الأولى ، حتى انتهى الأمر إلى الإنسان فخلقه منها ولم يقبضها ، فكان الإنسان صورة حضرة الجمع والوجود ، لأنها بسطت فيه ولم تنقبض عنه . ثم خلق اللّه العماء الذي كان فيه الرب قبل خلق الخلق ، وكان أول ما خلق اللّه في العماء الأرواح المهيمة والعقل والنفس الكلية ، فهم مخلوقون من حضرة الجمع والوجود وهم مظاهر لها ، لكن دون مظهرية الإنسان الكامل . ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم الإنسان الأكمل فإنه لا إنسان يماثل محمدا صلّى اللّه عليه وسلم ، وكل ما عداه فهو مخلوق منه ، فهو عين الوجود الصادر من اللّه تعالى بلا واسطة سوى الأمر ، فهو صورة الأمر الإلهي الذي لا صورة له في نفس الأمر ، وكلما فعلت الطبيعة الكلية صورة نفخ فيها روحا على قدر قابليتها واستعدادها ، فالطبيعة ظاهرة وهو باطنها ، بل ليست الطبيعة غير الروح إلا باعتبار كثافة بعض الصور ولطافة بعضها ، فقيل : الطبيعة مغايرة للروح ، فإذا أراد اللّه تعالى إيجاد شيء توجه إليه الروح ، وتوجهه عينه وعين ما توجه إليه ، بمعنى أن شعوره بمراد اللّه عينه وعين ما شعر به وهو الشيء الذي أراد اللّه إيجاده ، كالتوجه على المرآة هو عين وجود صورة المتوجه ، عين التوجه عين الصورة وعين وجود الصورة في المرآة ، ولا ترتيب إلا في العقل لا في زمان ، كالبرق عين لمعانه عين الإضاءة به ، عين انكشاف الأشياء به عين تعلق البصر ، لا ترتيب بين هذه الأشياء إلا في العقل لا في الزمان ، وهذا التوجه هو المعنى بالنفخ في قوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] أي نفخت فيه روحي . فمن للبيان . والمراد من النفخ لازمه ، وهو : إيصال نفس النافخ في المنفوخ فيه ، والنفس المنفوخ هو : نفس الرحمن ، وهو : الروح . ولهذا عبر بالنفخ فإنه لا ينفخ إلا النفس ، وهو لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء ، ولا ممتزج بشيء ، ولا يخرج عنه شيء ، ولا هو في جهة لشيء ، بل هو منزه عن جميع صفات الحوادث ، وله جميع الكمالات إلا الوجوب بالذات ، وتدبيره للعالم